السعيد شنوقة
397
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
وتفسيره الآية : وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ [ النساء : 46 ] : « أي خذلهم بسبب كفرهم وأبعدهم عن ألطافه » « 1 » ينزع فيه منزع ما تعتقده فرقته : أي أبعدهم عن توفيقه وتسديده ولم يحدث فيهم من الألطاف والزيادات ما يفعله بالمؤمنين كنحو قوله عز وجل : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [ محمد : 17 ] « فتركه - سبحانه - أن يفعل هو الخذلان من الله للكافرين » « 2 » . وحين يفسر قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [ النساء : 4137 ] يوظف ألفاظا يضمنها أفكار المعتزلة « كاللطف » و « ما يستحقون به المغفرة » و « يستوجبون اللطف » و « الفاسق » قال : « والمعنى أنّ الذين تكرّر منهم الارتداد ، وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ، ويستوجبون اللطف من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردة ، وكان الإيمان أهون شيء عندهم وأدونه حيث يبدو لهم فيه كرّة بعد أخرى ، وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الرّدة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ، ولم يغفر لهم لأن ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع ولكنه استبعاد له واستغراب ، وأنه أمر لا يكاد يكون . وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع لا يكاد يرجى منه الثبات » « 3 » ؛ فليس في الآية الكريمة ما يخالف القاعدة الثانية في أن التوبة مقبولة على الإطلاق ، وإنما المراد أنه لا تكون منهم توبة ليكون قبول ؛ فالوارد خبر لا حكم فالمخبر عنهم من سبق في علمه عز وجل أنه لا يتوب « 4 » .
--> ( 1 ) الكشاف : ج 1 ، ص 531 . ( 2 ) الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص ، 328 والمعتزلة مختلفون في الخذلان . يراه بعضهم : تسميته إياهم والحكم عليهم بأنهم مخذلون وآخرون : الخذلان عقوبة من الله تعالى وهو ما يفعله بهم من العقوبات . وغيرهم من أهل الإثبات فرّعوه إلى الخذلان قوة الكفر ، وإلى معنى آخر : خذلهم : أي خلق كفرهم . ( 3 ) الكشاف : ج 1 ، ص 572 . ( 4 ) انظر ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 571 .